اسماعيل بن محمد القونوي

270

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( واستدل به ) وجه الاستدلال ما مر من عموم العالم الملائكة وقد عرفت أنه مختص بعالمي زمانهم ومن قال طاب اللّه ثراه ( على تفضيل البشر على الملك وهو ضعيف ) ولا يلزم من تضعيف الاستدلال به تضعيف المدعي إذ تفضيل البشر على الملك مذهب أكثر أهل السنة وأنه مثبت بدليل ذكر في موضعه . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 48 ] وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 48 ) قوله : ( أي ما فيه من الحساب والعذاب ) فيكون مجازا مرسلا بذكر الظرف وأريد المظروف والداعي إليه البالغة بأن شدة ما فيه بلغت مبلغا بحيث سرت إلى الظرف فيستحق أن يؤمروا بالاتقاء عن اليوم فضلا عن الاتقاء عن الحساب والعذاب الواقعين فيه وهذا مآل ما قيل يعني أنه ليس بظرف إذ ليس المقصود الاتقاء في ذلك اليوم بل مفعول به لا بالحقيقة بل باعتبار ما يقع فيه والمراد المفعول به بواسطة لفظة عن ولو قيل المراد الاتقاء في ذلك اليوم بلا تعيين شيء يخاف عنه لزيادة التهويل لكان في الذروة العليا من البلاغة والمبالغة « 1 » ( لا تقضي عنها ) أشار إلى أن لا تجزي من جزى عني هذا الأمر إذا قضى منه كما نقل عن الصحاح والمعنى لا يدفع نفس عن نفسه ( شيئا ) من العذاب من أداء ما كان عليه ( من الحقوق ) السابقة في الدنيا وهذا تفصيل ما قيل والمعنى أن يوم القيامة لا ينوب قوله : وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ [ آل عمران : 110 ] فإنه لا يصح أن يكون المفضول خيرا من الفاضل وإن كلمة لولا لانتفاء الشيء لانتفاء غيره فالخيرية عنهم منتفية ومن انتفى عنه الخير كيف يكون أفضل من الخير وإذا لم يدخل فيه محمد صلّى اللّه تعالى عليه وسلم فأحرى أن لا يدخل فيه الأنبياء صلّى اللّه تعالى عليهم وسلم فبقي تحته من عداه وهو معنى قوله الجم الغفير من الناس وأما الملائكة فلأن المذهب فيهم عندنا أن خواص بني آدم كالأنبياء عليهم الصلاة والسّلام أفضل من جملة الملائكة وخواص الملائكة أفضل من عوام المؤمنين وعوام المؤمنين أفضل من عوام الملائكة وإذا لم يدخل عوام المؤمنين تحت العالمين بما ذكرنا فلأن لا يدخل خواص الملائكة وخواص بني آدم أجدر وعوام الملائكة يجوز أن يكون المؤمنون منهم بموسى عليه الصلاة والسّلام أفضل منهم وأما الكافرون فهم كالأنعام بل هم أضل فكيف يكون أفضل من الملائكة هذا واللّه أعلم . قوله : واستدل به على تفضيل البشر على الملك إما على أن المراد بالعالمين العالمون مطلقا فظاهر وإما على أن يراد بهم عالموا زمانهم فلأن الملائكة من عالمي زمانهم . قوله : أي ما فيه من الحساب يريد أنه من باب ذكر المحل وإرادة الحال لأن التقية إنما تكون مما وقع في يوم القيامة من الشدائد لا من اليوم نفسه . قوله : شيئا من الحقوق أي لا تقتضي شيئا من الحقوق التي أخلت تلك النفس بها فعلى

--> ( 1 ) إذ المحذور جعل اليوم مخوفا عنه وأما جعله ظرفا لما كان مخوفا عنه بلا تعيين ففيه من المبالغة ما لا يخفى .